الجاحظ

117

المحاسن والأضداد

محاسن حب الوطن قال عمر بن الخطاب : لولا حب الوطن لخرب بلد السوء . وكان يقال : بحب الأوطان عمرت البلدان « 1 » ، وقال جالينوس : يتروح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببل المطر . وقال بقراط : يداوي كل عليل بعقاقير أرضه كأن الطبيعة تنزع إلى غذائها ، ومما يؤكد ذلك قول أعرابي وقد مرض بالحضر فقيل له : ما تشتهي ؟ فقال : مخيضا روبا وضبا مشويا ، وقد قيل : أحق البلدان بنزاعك إليها بلد أمصّك حلب رضاعه ، وقيل : احفظ أرضا ارسخك رضاعها ، وأصلحك غذاؤها ، وأرع حمى اكتنفك فناؤه . وقيل : لا تشك بلدا فيه قبائلك . وقيل : من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها تواقة . وحدثنا بعض بني هاشم قال : قلت لأعرابي : من أين أقبلت ؟ قال : من هذه البادية ، قلت : وأين تسكن منها ؟ قال : مساقط الحمى حمى ضرية ما أن لعمر اللّه أريد بها بدلا ولا ابتغى عنها حولا حفتها الفلوات فلا يملو لح ماؤها وتحمى تربتها ليس فيها أذى ولا قذى ولا وعك ولا لوم ونحن بارفه عيش وأوسع معيشة واسبغ نعمة . قلت : ما طعامكم ؟ قال : بخ بخ الهبيد والضباب واليرابيع مع القنافذ والحيات وريثما اللّه أكلنا القد واشتوينا الجلد فلا نعلم أحدا أخصب منا عيشا ، فالحمد للّه على ما رزق من السعة وبسط من حسن الدعة .

--> ( 1 ) للجاحظ رسالة في حب الأوطان عنوانها : « رسالة الأوطان والبلدان » نشرناها ضمن رسائل الجاحظ السياسة ، ( دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، 1967 ) . قارنها بما جاء في هذا الكتاب .